محمد جمال الدين القاسمي
431
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وقوله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره . ولتنتفي مجادلتهم لكم . كقول اليهود مثلا : يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ! وقول غيرهم : يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته ! فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة . قال الراغب : وأشار بقوله وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إلى تحقيق ما قدمه . فبيّن أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل صاحب شرع قبلة يختص بها ، وأنت صاحب شرع ، فتغيير القبلة لك حق من ربك . ( ثم قال ) إن قيل : لم كرّر قوله وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ؟ قيل : حثّ بإحداهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي مكان حصل للإنسان ، نائيا كان عنها أو دانيا منها . وذلك مآل الاختيار والتمكن . وحثّ بالآخر على التمكن بالقلب وحده عند اشتباه القبلة . وفي النافلة في حال اليسر على الراحلة والسفر . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم يظهرون فجورا ولددا في ذلك ، بالعناد . وهم : إما اليهود المعبر عنهم بأهل الكتاب قبل ، أو المنافقون أو المشركون كما حكى قبل في « السفهاء » . وكان من قول اليهود ، فيما حكاه قتادة : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . ومن قول المشركين ، فيما حكاه مجاهد . : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم . وتقدم قول المنافقين . وبالجملة فالكل عابوا وخاضوا فَلا تَخْشَوْهُمْ تخافوا جدالهم وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا أمري وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالتوجه إلى أكمل الجهات المتضمنة للآيات البينات والأمن وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ للصراط المستقيم بالتوجه إليها ، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة . قال الحراليّ : وفي طيه بشرى بفتح مكة ، واستيلائه على جزيرة العرب كلها ، وتمكينه بذلك من سائر أهل الأرض ، لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها ، التي انتهى إليها ملك أمته . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 151 ] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ وقوله تعالى : فِيكُمْ المراد به العرب . وكذلك قوله مِنْكُمْ .